الشيخ محمد رشيد رضا
14
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العبادة التي تؤدى فيه لا تؤدى في غيره وكون استلام الحجر الأسود فيه رمزا إلى مبايعة اللّه تعالى على إقامة دينه والاخلاص له فيه ، وكون الصلاة فيه بمئة ألف ضعف في غيره . والأحاديث الواردة في ذلك تطلب من الصحيحين وكتب السنن 98 : 93 ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ 99 : 94 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أقول لما أقام سبحانه الحجة على أهل الكتاب وبين بطلان شبهاتهم على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وكونه على ملة إبراهيم عليه السّلام أمره أن يبكتهم على كفرهم وصدهم عن سبيل الايمان ، وابتغائه عوجا وضلالهم بذلك على علم . فقال ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ) في بيته الدالة على كونه أول بيت وضع لعبادته وعلى بناء إبراهيم له وتعبده فيه قبل وجود بني إسرائيل وبيت المقدس ، أو بآياته على صحة نبوة محمد وإحيائه لملة إبراهيم الذي تعترفون بنبوته وفضله . ومنها ما ذكر عن البيت - ( وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ) أي والحال أن اللّه تعالى مطلع على عملكم هذا وسائر أعمالكم محيط به ، أفلا تخافون أن يأخذكم به ويجازيكم عليه أشد الجزاء ؟ ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ ) أي لأي شئ تصرفون من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم واتبعه عن الايمان ، وهو سبيل اللّه الموصلة إلى رضوانه ورحمته بما ترقى من عقل المؤمن بالعقائد الصحيحة ومن نفسه بالأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ، تصدون عنها بالتكذيب كبرا وحسدا ، وإلقاء الشبهات الباطلة مكابرة وبغيا والكيد للنبي والمؤمنين بغيا وعدوانا ( تَبْغُونَها عِوَجاً ) أي لم تصدون عنها قاصدين بصدكم أن تكون معوجة في نظر من يؤمن لكم ويغتر بكيدكم ( وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ) بأنها سبيل اللّه المستقيمة ، لا ترون فيها عوجا ولا أمتا ، عارفون بما ورد فيها من البشارات عن الأنبياء . ويلزم من ذلك أن من صد عنها